انطباعي عن زنقة الألعاب الخامسة: موضوعها وألعابها


انعقدت مسابقة زنقة الألعاب الخامسة في الفترة ما بين الحادي والثلاثين من يوليو والثاني من أغسطس لعام 2015. موضوع تاريخ الانعقاد كان من أهم النقاط التي أثارت اهتمامي أثناء التحضير، وذلك لأنني كنت شبه متأكد منذ البداية من عدم تمكني من المشاركة نظرا لأن هذا التوقيت لا يتناسب أبدا مع ظروفي الحالية. على الرغم من ذلك قمت بالتسجيل والتصويت على الموضوع بل إنني وضعت فكرة للمشاركة وبدأت في تنفيذها، لكن الظروف كما توقعت حالت دون تمكني من المتابعة وانسحبت قبل انقضاء اليوم الأول.


على الرغم من ذلك قررت أن يكون لي دور ومساهمة في الزنقة التي اعتدت المشاركة فيها طوال الأعوام الثلاثة الماضية. ونظرا لأن الظروف حرمتني من المشاركة بلعبتي الخاصة كمطور، اتخذت قرارا أن أشارك كلاعب، وهو ما لم أفعله إلا على مستوى ضيق خلال الأعوام السابقة. قرار المشاركة هذا بدأت بترجمته بلعبي لجميع مشاركات الزنقة ومحاولة إبداء ما أمكنني من ملاحظات عليها. وبرغم أن موقع itch.io المستضيف للألعاب لم يسمح لي بالتقييم كوني لم أشارك بلعبتي الخاصة، إلا أنني على الأقل لم أدع أيا من الألعاب المشاركة إلا ولعبتها تاركا تعليقا بملاحظاتي للمطور على صفحة اللعبة، وأرجو بذلك أن أكون قد ساهمت ولو قليلا في تحقيق هدف الزنقة الأهم وهو الارتقاء بمستوى تطوير الألعاب في منطقتنا ومساعدة المطورين المشاركين في رفع مستواهم إن كانوا محترفين، أو مساعدتهم في التعلم إن كانوا مبتدئين.


في هذا المقال لن أتطرق للعبة بعينها حيث أن ملاحظاتي المنفردة على الألعاب موجودة في صفحة كل لعبة على حدة، لكنني سأتحدث عن الانطباع العام حول الزنقة وموضوعها والمشاركات التي جربتها. بداية لا أنكر اعتقادي بأن اختيار موضوع الزنقة – مع الاحترام لرأي الأغلبية الذي أجمع عليه – وهو "الوقت المناسب" لم يكن بالاختيار الموفق؛ ذلك أنني أراه "سطحيا" نوعا ما حيث أن معظم الألعاب توظف عامل الوقت المناسب بطريقة أو بأخرى، فبشكل عام تعتمد الألعاب على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب من قبل اللاعب حتى يفوز، رغم أنه قد يستثنى من هذا الطيف الواسع ألعاب تبادل الأدوار turn-based والتي تعطي اللاعب وقته الكافي لاتخاذ قراره. هذا الموضوع انعكس بشكل جلي على معظم المشاركات التي افتقدت للإبداع بكل أسف، ذلك أنه من السهل أن تجد أي آلية أو قصة تتحدث عن اللحظة المناسبة أو الوقت المناسب، وكثير منها مكرر ولا شيء فيه من الإبداع.


على الرغم من ذلك، لم يخلُ اختيار هذا الموضوع من جوانب إيجابية، حيث أن قدرة المطور على أخذ فكرة الوقت المناسب إلى أبعاد جديدة لم تكن لتخطر ببالنا – سواء من ناحية القصة أو السمة أو الميكانيكيات – تكشف عن خيال واسع وعقلية قادرة على التفكير بعمق حتى في أكثر الأمور بساطة. هذا الأمر لاحظته في عدد محدود جدا من المشاركات لا يتجاوز عددها أصابع اليد من بين المجموع الذي تجاوز الستين، والتي يمكن فعلا أن نقول عنها أنها مميزة. إضافة لهذا فإن عددا من الألعاب ورغم أنها لم تأت بأساليب لعب جديدة وكانت تعتمد على تفسير مباشر للموضوع - مثل ضغط زر معين في مكان ووقت معين من أجل الفوز – امتلكت سمات أو رسومات أو قصص أو حتى توازنا في مستوى الصعوبة جعل منها تجارب ممتعة وقابلة لإعادة اللعب.


بالنظر إلى المشاركات التي رأيتها سلبية ولم أجد فيها متعة، فإنه يمكنني أن أجمل عددا من العوامل التي جعلتني أنظر إليها بهذا الشكل. أول هذه العوامل هو الجانب التقني، حيث أن عددا من المشاركين حاول صنع لعبة كبيرة تتجاوز في رسوماتها أو تعقيد آلياتها ما يمكن إنجازه بشكل متقن في مدة محدودة كمدة الزنقة، لذا كان لا بد من نصح جميع المشاركين أن يقضوا وقتهم الكافي في إيجاد فكرة بسيطة وممتعة ومن ثم بناء اللعبة وإخراجها بشكل متقن، بدلا من محاولة صنع لعبة AAA لن ترى النور أبدا. فحين يكون أمامي عدد كبير من الألعاب لتجربتها، فإن الثواني الأولى من الوقت القصير الذي يمكن أن أقضيه على كل لعبة هو من أهم العوامل التي ستحسم رأيي النهائي.


المشكلة التقنية الأخرى التي أفسدت بعض التجارب وكادت أن تفسد بعض الألعاب الممتعة هي عدم وضوح أهداف اللعبة وتعليمات اللعب. فعندما نتحدث من ناحية نظرية بحتة فإن اللعبة هي نشاط ذو أهداف وقواعد محددة وشروط فوز وخسارة معروفة. هذا النشاط يتطلب من اللاعب بذل بعض الجهد من أجل إكماله وتحقيق شروط الفوز. لهذا السبب فإن غياب وضوح الأهداف وقواعد اللعب يعني غياب اللعبة، ولن يغني عنك شيئا وجود الرسومات والأصوات، وأسوأ ما في الأمر هو أن جهدك ضاع هباء لأنك في هذه الحالة لم تصنع لعبة أصلا!


النقطة السلبية الثالثة وإن كانت غير قاتلة مثل سابقتيها هي السمة العامة لبعض الألعاب، والتي لا يوجد واحد بالمئة من محتواها يدل على أنها صنعت لمسابقة ألعاب عربية أو بأيدي عرب، لا من ناحية اللغة أو التعليمات أو حتى الرسومات والجو العام. على الرغم من أن هذا الشرط ليس إجباريا في الزنقة، إلا أنه برأيي أهم ما يميزها عن غيرها من مسابقات الألعاب العالمية والتي يمكن أن تكون مناسبة أكثر من الزنقة لهذا النوع من الألعاب. هذا الأمر ينسحب أيضا على موضوع الزنقة حيث أن بعض الألعاب أعطتني شعورا أن مطوريها صنعوها أو فكروا فيها مسبقا ومن ثم حاولوا ربطها بطريق التفافي بموضوع الزنقة من أجل أن تكون مشاركة ذات علاقة، مما جعلها غير ذات معنى لدرجة أنها لو ابتعدت عن موضوع الزنقة تماما لكانت أفضل من الحالة المثيرة للشفقة التي وصلت إليها!


ملاحظة أخيرة لفتت انتباهي هي أن بعض الألعاب التي تميزت وحصلت على مراكز متقدمة استخدمت ميكانيكيات قد تبدو للوهلة الأولى جديدة ومتميزة وهذا الأمر صحيح نسبيا. لكن نظرا لاطلاعي على الألعاب الجادة serious games بحكم دراستي فإنني وجدت أن هذه الميكانيكيات مستخدمة مسبقا وعلى نطاق واسع في تلك الألعاب، ولربما أثر ذلك على نظرتي لها وجعلها أقل إنصافا نظرا لكون آلية اللعب مألوفة لدي. برغم ذلك لن أعطي لنفسي الحق في التمرد على رأي المجموع والذي صوت بإيجابية لتلك الألعاب ورأى فيها تجربة ممتعة، فالجمهور هو الحكم في مجالات الترفيه والألعاب واحدة منها.


أخيرا أتمنى أن يستفيد كل من يقرأ هذا المقال من المطورين في معرفة بعض الثغرات التي قد تفسد ألعابهم وأن يعذرني من ظن أن المقال انتقادي أو هجومي نوعا ما، ففي النهاية هذا رأيي الشخصي وما كتبته سواء في هذا المقال أو في تعليقاتي على الألعاب نابع من تجربتي الشخصية ومدى استمتاعي أو عدم استمتاعي بكل لعبة من الألعاب. أتمنى أن يتسنى لي المشاركة في الزنقات القادمة كمطور ولاعب وأن تستمر إقامة هذا الحدث المهم كل عام.

تعليقات واستفسارات

تعليقان على “انطباعي عن زنقة الألعاب الخامسة: موضوعها وألعابها

  1. موضوع مهم. شكراً لأخذ الوقت في كتابته.
    عندي بعض التعليقات عليه:
    - بالنسبة للنقطة التي تحدثت عنها بخصوص ثيم المسابقة "الوقت المناسب"، كما ذكرت الثيم لا يعطي اللاعبين الكثير من المجال للإبداع، لكن لا أعتقد أن هذا أمر مهم كثيراً. السبب الأول ذكرته بنفسك وهو أنك ستجد أشخاص ستبدع في ثيم كهذا وستصدر ألعاب لا يمكن أن تصدر إلا بوجود مثل هذه السمات. أذكر في مسابقة LDJAM31 كان الموضوع نهائياً لا يساعد على الإبداع (من وجهة نظري) حيث كان "لعبة على شاشة واحدة" لذلك صدرت معظم الألعاب وليس لها علاقة ببعضها، مجرد ألعاب تلعبها بنفس الشاشة (يعني مثلاً ألعاب الأركيد والتي لا تتغير فيها المراحل)، لكن هناك ألعاب استغلت الثيم بشكل رائع جداً لن أنساها. مثل:

    Bugged Out http://ludumdare.com/compo/ludum-dare-31/?action=preview&uid=37445
    Escape Character http://ludumdare.com/compo/ludum-dare-31/?action=preview&uid=46572
    OMNI http://ludumdare.com/compo/ludum-dare-31/?action=preview&uid=18011
    Walk to The Door http://ludumdare.com/compo/ludum-dare-31/?action=preview&uid=38693

    إن لم يكن لديك وقت لتجريب هذه الألعاب شاهد الصور لتأخذ فكرة عن استغلال الثيم بالطريقة الصحيحة، لكن أنصح بتجريبها.

    السبب الثاني وهو أن نأخذ بعين الاعتبار بعض المطورين الذين لا يحبون الثيمات ويحبون أن يكون المجال مفتوح نوعاً ما. الثيمات المفتوحة التي فيها تقييد أقل، ليس بالضرورة أنها سيئة، كما ذكرت هناك مجال للإبداع أحياناً بدون قيود. فمثلاً هذه اللعبة http://ludumdare.com/compo/ludum-dare-31/?action=preview&uid=11391 ليست مرتبطة بالثيم بشكل جميل لكنها لعبة جداً جميلة ومتقنة. ووجود مثل هذه الثيمات المفتوحة (بين فترة وأخرى) يساعد بعض المطورين على التركيز على عمل لعبة متقنة بدلاً من إضاعة نصف الوقت على إيجاد فكرة مميزة. وفي الحقيقة لهذا السبب أعتقد أن المسابقات القصيرة لا تناسبني لأنني آخذ وقت طويل في إيجاد الفكرة فقط وخاصة أن الفكرة في المسابقات ليس فقط أن تجد الفكرة المميزة، بل أن تجد الفكرة المميزة والتي يمكن صنعها في وقت قصير.

    إضافة أخيرة؛ حتى في مسابقة عالمية مثل LDJAM نسبة الألعاب المميزة تظل قليلة جداً، إن كان لدينا 5 ألعاب مميزة من 60 فهذه تعتبر نسبة جيدة. في وقت قصير ممكن بسهولة جداً أن يحدث خطأ صغير لا يمكن تلافيه، لذلك حتى في المسابقات الأخرى ستجد معظم المشاكل التي تحدثت عنها؛ مثل عدم وضوح الأهداف أو الألعاب الطموحة التي لا تشعر بأنها متقنة، أو أنك تشعر بأن المطور كان قد قرر اللعبة قبل أن تبدأ، ومن ثم أجبر الثيم على اللعبة (فعلت ذلك في الزنقة الثانية ومع ذلك لم يكفي الوقت وكانت اللعبة كلها مشاكل)

    طبعاً أنا لا أعارض تنبيهك عليها، بل على العكس تماماً.

    • أشكرك على المشاركة عبد الرحمن وأعتذر عن التأخر في الرد حيث كنت أمر بفترة بالغة الحساسية في الدراسة والحمد لله مرت - تقريبا - بسلام 🙂
      اعتراضي على الموضوع لم يكن لأنه محدد جدا أو واسع جدا؛ بل لأنه اساسي في الألعاب وبديهي لا يقدم أي جديد. فعادة ما يخرج الإبداع من الخيارات المحدودة وليس العكس كما في أمثلة الشاشة الواحدة التي سردتها والتي أعجبتني منها لعبة Omni بصراحة. ربما اختار المعظم هذا الطريق السهل لأنه يعطيهم مجالا لصنع ألعاب "تقليدية" لا جديد فيها ويسهل ربطها نسبيا بالموضوع.
      أعلم أن أغلب المشاركين مبتدؤون وأن هذه الصناعة - إن اعتبرناها موجودة - في منطقتنا لا زالت في مهدها وستنضج تلقائيا بمرور الوقت ولن يتبقى سوى ما تلبي جودته طلبات اللاعبين. حسب رأيي الشخصي اللاعب العربي يسبق المطور بمراحل وأصبح يحسن نقد الألعاب وتمييز الغث من السمين، وأنا سعيد أنه "لا يرحم" لأن هذا سيدفع المطور لإعطاء أقصى ما لديه، وعلى العموم أرى الأمور تسير في الاتجاه الصحيح وإن كانت ببطء.

التعليقات مغلقة.